إشكالية العمالة المصرية العائدة من الخارج !

تضيف أزمة العمالة المصرية العائدة من الخارج الي أسواق العمل الوطنية أزمة جديدة من الازمات التي ينوء بحملها الوطن في الفترة الحالية خاصة بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من الفترة الانتقالية وحكم العسكر للبلاد خلال عام ونصف ثم تسليم السلطة لرئيس منتخب وهو الدكتور محمد

مرسي في أول يوليو الماضي , حيث  تواجه الحكومة المصرية جملة من المشكلات التي تتعلق بالعمالة المصرية العائدة من المنطقة العربية‏,‏ بعد اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية والثورات الشعبية في عدد من بلدانها وتدهور الأوضاع الأمنية في دول ليبيا وتونس واليمن وسوريا و البحرين,وغيرها , إضافة إلي البدء في تطبيق برامج إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية الوافدة فيما يعرف ببرامج التوطين كما هو الحال في عدد من دول الخليج مثل السعودية والكويت والامارات المتحدة .
كما أن الحكومات المصرية المتعاقبة لم تكن مستعدة في أغلب الاحوال لاستقبال العمالة العائدة بسبب طابور البطالة الذي يشبه طول مجري نهر النيل في سريانه من المنبع الي المصب , فإجراءات الاستيعاب كانت أقرب لكونها مسكنات أكثر من كونها معالجة للأزمة والتي تتطلب مزيدا من إعادة النظر في السياسات الاقتصادية وإعادة تدريب وتأهيل العمالة المصرية العائدة, حتي لا يكون وضع العمالة في مرحلة ما قبل الهجرة مساويا لوضعها في مرحلة ما بعد العودة سواء في المحدد المالي أو الوضع الوظيفي أو السياق الاجتماعي.
وأعتقد أن أبرز مشكلات العمالة العائدة تتجسد في صعوبة تقدير حجم العمالة المصرية العائدة بشكل دقيق مثلما يصعب تقدير حجم العمالة المصرية المهاجرة في الدول العربية, وتتباين وتتفاوت التقديرات الرسمية وغير الرسمية, وأن أغلب التقديرات السابقة لحجم العمالة المصرية في المنطقة العربية تميل إلي الخطي الأعلي, بحيث بلغت التقديرات حوالي خمسة ملايين مصري من إجمالي6.8 مليون شخص بالخارج.
كما أن الجهات في الدول المستقبلة التي تتعامل مع مسألة العمالة الوافدة, بخلاف عدم تعاون أغلب السلطات المحلية في بعض الدول العربية مع البعثات المصرية في حصر إعداد المصريين المقيمين فيها, وعزوف المصريين بالخارج عن تسجيل أسمائهم بالقنصليات المصرية. علاوة علي ذلك, اعتبرت بعض الدول العربية لفترة طويلة نشر بيانات بشأن العمالة الوافدة مسألة حساسة بالنسبة لمواطنيها لاسيما مع تفاقم مشكلة البطالة.
من بين مشكلات العمالة العائدة , فقدان الخزانة العامة للدولة جزءا مهما من التحويلات المالية التي كان يرسلها العاملون المصريون العائدون, حيث إن هذه التحويلات تعتبر من أهم روافد النقد الأجنبي, إضافة إلي إيرادات قناة السويس والسياحة والبترول, في الوقت الذي يواجه الاقتصاد المصري مشكلات خاصة بالتوظيف والاستثمار. وهنا, لابد من إلغاء أو تخفيض الرسوم المفروضة علي العمالة المصرية المسافرة إلي الخارج وتشجيع شركات التوظيف أو التسفير علي توفير فرص عمل جديدة للعمالة العائدة في عدد من الدول الأوروبية, خصوصا بعد تغيير صورة الشباب المصري بعد ثورة25 يناير, والتي حكمتها ممارسات الهجرة غير الشرعية, بخلاف الاهتمام بأسواق العمل في الدول الافريقية وخاصة دول حوض النيل لقدرتها علي استيعاب عمالة ضخمة.
بالاضافة الي إشكالية هامة تخص دمج العائدين في سوق العمل, وهو ما يستتبع بدوره معرفة أولية بطبيعة عمل العمالة العائدة, حتي لا تحدث هزة ضخمة نتيجة لعدم الاستيعاب لتلك العمالة, لاسيما أن المجتمع المصري اعتاد تشغيل جزء لا يستهان به من قوة العمل الكلية خارج الحدود. فلا يوجد حتي الآن دليل موحد يمكن التعامل معه كمرجع بشأن المحددات التعليمية والوظائف العملية الخاصة بالعمالة المصرية العائدة من الدول العربية.
 فليس كل من يحمل مؤهلا جامعيا كان يعمل به, بل إنه في بعض الأحيان انتقلت العمالة المصرية من قطاعات ذات كفاءة إلي قطاعات ذات قدرة إنتاجية محدودة, ولكن بأجور لا يمكن مقارنتها بالأجور المتاحة في مصر.
 ولقد أدي واقع البحث عن الأجور المرتفعة بالمصريين إلي قبول العمل في مجالات لا تتلاءم مع مهاراتهم وتخصصاتهم, الأمر الذي كان له تأثير علي خبرة هؤلاء العاملين, وظل التطور الفكري والذهني للعامل المصري محتجز في دول الهجرة العربية في كثير من الأحيان, فهو سجين حالة فردية هدفها الوحيد هو التراكم المالي والادخار السريع أو ما يسمي بمهاجري الهدف.
ومن ثم ينبغي إلحاق العمالة العائدة بمراكز مختلفة للتدريب المهني والتعليم الفني, وتحديد التخصصات التي يحتاجها سوق العمل. ويمكن في هذا الصدد تفعيل ما أعلنت وزارة القوي العاملة والهجرة عنه بشأن تأسيس مجلس قومي للتدريب, بحيث يدخل ضمن إطار عمله مشكلات العائدين من الخارج. وقد بدأت وزارة القوي العاملة في إعداد برامج لإعادة تأهيل العمالة المصرية العائدة من ليبيا بالتنسيق مع منظمة الهجرة الدولية التي تقوم بتمويل البرامج التدريبية المخصصة لهذا الشأن. فضلا عن ذلك فقد تم اعتماد مائة مليون جنيه للمساهمة في تشغيل العمالة العائدة من ليبيا, وهو ما تم توفيره عن طريق الصندوق الاجتماعي للتنمية. كما أن الأخير أعد خطة لاستيعاب العمالة المصرية العائدة, خاصة من دول الخليج, بحيث يتم مضاعفة أعداد فرص العمل السنوية التي يتم توافرها للشباب عبر القروض الممنوحة بما يصل إلي نحو400 ألف فرصة عمل. وأخيرا, تم إبرام اتفاقية بين السفارة التونسية والصندوق الاجتماعي ووزارة القوي العاملة, لتصدير100 ألف عامل سنويا للعمل في مشروعات تجميل وصيانة مبان دول أوربا , ويمكن الاستعانة بهذه العمالة في عدد من المشروعات القومية والحد من فرص التوظيف للعمالة الأجنبية في البلاد, واقتصارها علي التخصصات النادرة خلال الفترة المقبلة, والاستبدال بها العمالة المصرية بعد تدريبها, وتفعيل قانون رقم12 لسنة2003 الذي يري أن استقدام العمالة الأجنبية نتاج عدم توافر البديل المصري له, وأن يكون استقدام العمالة الأجنبية كمهمة لتدريب العامل المصري, ولا يزيد عدد العمالة الأجنبية علي10% في أي منشأة مهما تعددت فروعها, وألا يكون عاملا في مزاحمة العمالة الوطنية..ومن ثم فيكون المخرج الاّمن من أشكالية العمالة المصرية العائدة من الخارج ..والله أعلم .

بقلم:د.فتحى حسين