Notice: Undefined property: stdClass::$toc in /home/omalarab/public_html/plugins/content/pagebreak/pagebreak.php on line 220

قراءة تحليلية في الثورات العربية : الدوافع و الآفاق

المصدر: من  موقع الاتحاد الدولى لنقابات العمال العرب  عقب إندلاع الثورات العربية فى تونس ومصر واليمن وليبيا ثم سوريا:

منذ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، تاريخ إقدام المواطن محمد بوعزيزي (26 عاماً) وهو خريج جامعة وعاطل من العمل على إحراق نفسه إثر تعرّضه للضرب على يد شرطيّ بلدية صفعه على

مرأى الجميع في سوق المدينة، بعدما رفض الامتثال لأوامر بحجز الغلال والخضروات التي كان يبيعها على عربة مجرورة من دون حمل ترخيص من البلدية، و الذي ولّد احتجاجاً اجتماعياً لافتاً في محافظة سيدي بوزيد 265) كلم جنوب العاصمة تونس)، لم يكن في مقدور أحد أن يتنبأ بأن وفاة محمد البوعزيزي، ستُحدث خلال أشهر معدودات هذه الصدمة العاتية التي اجتاحت جميع أرجاء العالم العربي. فقد أفضى هذا العمل اليائس الذي أقدم عليه فرد واحد إلى عاصفة سياسية. كما كشف هذا الحدث أيضاً عن الإحساس بالمذلّة واليأس والاستياء الذي يعاني منه الملايين من الشباب العربي الذين حرموا من فرص العمل الكريم.

في الواقع التاريخي ظل العالم العربي يعيش على هامش موجة الانتفاضات الديمقراطية مع انتهاءالحرب الباردة الإيديولوجية التي أعقبتها حالة من اللااستقرار المزدوج وذلك بفعل الالتحاق بحماسة بالعولمة الليبرالية الأميركية من جهة، ومن جهة أخرى بسبب ارتجال الديمقراطية في دول تفتقر إلى الوسائل من جهة أخرى .

ففي الوقت الذي سقطت فيه الدولة الشمولية في المنظومة السوفياتية والأوروبية الشرقية، لم تدرك الأنظمة العربية الحاكمة جِدِّيًا تغير بيئة العالم باتجاه الانتقال التدريجي نحو الديمقراطية. وعلى نقيض ذلك، كانت الأنظمة العربية تدخل في دورة الاكتمال الشمولي في الوقت الذي كانت فيه هذه الدورة تندثر تاريخياً وتفقد إشعاعها حتى في وعي النخب الشيوعية الشمولية السابقة. و يبدو أن العالم العربي ظل على هامش هذا التاريخ الكوني. فهناك من ناحية الصراع العربي – الصهيوني و إسقاطاته المدمرة في ظل غياب مشروع عربي لتحرير الأرض السليبة، وهناك من ناحية أخرى نعمة الريع النفطي التي لم توظف لمصلحة بناء اقتصاد عربي منتج قادر أن يستوعب الأجيال الجديدة من خريجي الجامعات، إضافة إلى كل ذلك، أصبح العالم العربي واقعاً بين مطرقة الدولة السلطوية و سندان الحركات الإسلامية الأصولية، الأمر الذي قاد إلى إجهاض الطموحات لإنجاز ثورة ديمقراطية حقيقية.

و كان معظم حكام الأنظمة العربية يعيشون خارج سياق عملية الانتقال نحو الديمقراطية التعددية في العالم الثالث ، و التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها انعكاساً لمتغيرات دولية خارجية، أو أنها مجرد تحقيق لإرادة الدول و المؤسسات المانحة فحسب ، كما يشير إلى ذلك أنصار نظام الحزب الواحد الشمولي أو الدارسين ذوي النظرة الأحادية في التفسير.

والحال هذه أن حكام الأنظمة العربية ظلوا ينظرون إلى الديمقراطية التعددية بمفهومها الغربي بأنها تعبر عن أنماط غربية للحكم ، ومن ثم فهي جزء من الموروث الاستعماري،و لذلك بقي هؤلاء الحكام خارج سرب دول العالم الأخرى.

وفي البدء حظيت الأنظمة العربية بمشروعية مناهضة الاستعمار،وبلغت الأنظمة هذه سدة السلطة بعد إطاحة أنظمة موالية للغرب. وهذه حال العراق ومصر والجزائر. والملكية المغربية نجت من براثن الانقلاب جراء تبنيها النضال الوطني. ولكن المشروعية هذه لم تحل دون قمع الاحتجاجات. وتذرعت الأنظمة هذه بدواعي التنمية واستغلت توق الناس الى انبعاث الكرامة الوطنية للحؤول دون إرساء الديموقراطية. ومنذ 1973، ومع ارتفاع أسعار النفط أربعة أضعاف ما كانت عليه، اضطربت البنية الاجتماعية – السياسية في الدول العربية، وبلغ أثر الطفرة هذه الدول النفطية العربية، فتحولت الأنظمة العربية كلها أنظمة ريعية.

لقد قادت نهاية الحركات الأيديولوجية الكبيرة التي عرفها العالم العربي في مرحلة ما بعد نهاية الكولونيالية: القومية و الاشتراكية، إلى الصدام بين الدولة التسلطية العربية و الإسلام السياسي المستقوي بانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في سنة 1979. وقاد ت هذه المواجهات إلى حدوث حروب أهلية في أكثر من بلد عربي . وفي ظل هزيمة الإسلام السياسي، تغولت الدولة التسلطية العربية على المجتمع المدني ، و رفضت انتهاج سياسة الانفتاح الديمقراطي مخافة حسب رأيها أن تعبد الديمقراطية الطريق لوصول الإسلاميين إلى السلطة.

ومع انتهاء المواجهة بين «الشرق والغرب» التي كانت تحدد البنية الجيوسياسية للدول العربية، وارتجال الدول المانحة إيعازاً ديموقراطياً لم يحسن التحكم به من جانب الرؤساء العرب، حلًت خلال العقود الأخيرة الديمقراطية مكان أنظمة استبدادية عدة، في أوروبا أولاً، (مثال أسبانيا والبرتغال واليونان)، وفي أميركا اللاتينية ثانياً ( حيث زالت الأنظمة العسكرية في معظم دول أميركا الجنوبية في عقد ي الثمانينيات و التسعينيات )، ثم أيضاً بعد انهيار الشيوعية ثالثاً.

في أمريكا اللاتينية كما هو في أوروبا الشرقية والدول التي برزت إلى الوجود نتيجة لتصدع الاتحاد السوفياتي، وفي إفريقيا كما في جنوب شرق آسيا، يتم »التحول الديمقراطي« على قدم وساق وبأعداد كبيرة بحيث أصبحت الديمقراطية التي كنا نادراً ما نراها هناك قبل عشرين عاماً من الآن هي النظام السياسي الأكثر انتشاراً، ولكن في كل مكان، هذه الديمقراطية التي تتلازم اليوم مع الخصخصة و الاندراج في إطار العولمة الليبرالية وغالباً مع الاستغلال والفساد، كانت مُغَيبةً تماماً في العالم العربي .

وإذا كان الخطاب الأميركي يطنب في الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن الولايات المتحدة دعمت لسنوات طويلة الأنظمة الديكتاتورية التي كانت سائدة في العالم العربي ، والتي اتسم عهدها بانتشار الفساد في معظم الحكومات العربية ، وبغياب القانون، وبتغلب مصالح النخب التسلطية على مصالح الشعوب. والإدارة الأميركية تغلق عينيها عن أماكن كثيرة تمارس القمع والإكراه، ولكنها معمدة بالمياه الأميركية، ومحمية بروح البيت الأبيض المقدس، مثل نظام حسني مبارك المخلوع ، و نظام زين العابدين بن علي، لأن ما يهم واشنطن بالدرجة الأولى هو التجارة، واندماج العالم العربي في دواليب الاقتصاد العالمي، وضمان أمن إسرائيل .

لقد امتزجت عناصر عديدة معاً لتتسبب في الثورات والاحتجاجات السياسية التي شهدها عام 2011. فالفساد والمحاباة واستغلال السلطة والقيود التي فرضت على حقوق الإنسان أوجدت أرضاً خصبة للحركات المطالبة بالديمقراطية العاملة عن طريق الفيسبوك والتويتر وغيرهما من وسائل الإعلام الاجتماعية. وأبدت الحكومات عبر المنطقة، مهما كانت الاختلافات فيما بينها، تجاهلاً مشتركاً للمساءلة أمام مواطنيها وحماساً مفرطاً للاستثمار في الأمن الداخلي، وقدرةً على مقاومة الاتجاهات العالمية نحو الأخذ بالديمقراطية. كما أنّها لم تستجب لمطامح وطموحات الشباب الذين يسعون إلى الانتقال إلى عالم العمل.

الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية للثورتين في تونس و مصر

شكلت الثورتان الديمقراطيتان في كل من تونس ومصر إخفاقاً حقيقيا لكل من الأنظمة التسلطية العربية و الحركات الإسلامية الأصولية في آن معا، و أثبتتا أن العالم العربي قادر على إتباع طريق ثالثة، للخلاص من الفخ الذي وجدت فيه الشعوب العربية ،منذ عقود تقوم على أساس بناء الدولة المدنية الحديثة، أي دولة القانون. وساد اعتقاد راسخ لدى النخب العربية على اختلاف انتماءاتها السياسية و الفكرية أن الخيار الوحيد المتاح أمام الشعوب العربية،هو إما قبول العيش في ظل الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة والفاقدة للشرعية، وإما القبول بمجيء أحزاب إسلامية هي وحدها القادرة، نظراً لثقلها الشعبي ، وفقاً للاعتقاد السائد عربيا و غربيا،على إسقاط هذه الديكتاتوريات.

و هاهما الثورتان الديمقراطيتان التونسية و المصرية تجسدان خياراً جديداً، هو خيار ثورة الحرية والكرامة والقانون، الذي يمكن أن يتحول إلى مثال ونموذج يعم العالم العربي، ويضع حدّاً نهائياً للدولة التسلطية العربية. ويظل طريق بناء الدولة المدنية صعباً و شائكاً في العالم العربي، الذي يفتقر للخبرة و الثقافة الديمقراطية، بيد أن هذا الطريق تبتدأ في ظل الأوضاع القائمة في كل من تونس و مصر ،بتأسيس جمعية تأسيسية، و إقرار دستور جديد للبلدين كليهما، و إجراء تغيير جذري في القانون الانتخابي لكي يتم اعتماد قانون الانتخاب النسبي ، وإجراء انتخابات رئاسية و برلمانية في موعد يتم الاتفاق عليه بين السلطة الانتقالية و المعارضة، وبناء نظام انتقالي يحول دون عودة النخب الفاقدة الشرعية، التي قد تعيد تجميع نفسها من أجل وضع اليد على مقاليد الحكم مجدّداً.هذا النظام الانتقالي قوامه:سيادة القانون والحرية، وفصل السلطات، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، على قاعدة حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.

 مثال تونس

لم تكن الثورة الشعبية التي أطاحت حكم بن علي البوليسي مُؤطرةً من قبل الأحزاب والحركات الأيديولوجية التقليدية(الماركسية و القومية و الإسلامية)، التي لم تستطع أن تركب موجة الحراك الاجتماعي وأن تقود المتظاهرين في شوارع المدن التونسية ،و هنا تكمن فرادتها الحقيقية مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي و العشرين،إذ إنها ثورة غيرأيديولوجية بالمعايير التي نعرفها عملياً ونظرياً.

فهذه الثورة اندلعت بسبب ،ارتفاع أسعار الغذاء ، وزيادة الفقر،وارتفاع متوسط معدل البطالة للفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة فى تونس إلى نحو35 فى المائة، مقابل متوسط معدل عالمى 14.4 فى المائة، وتجاهل الدولة البوليسية التونسية هذه المشكلات ذات الطابع التنموى والاجتماعي، تأثيراتها الأمنية والسياسية.. فالبطالة تتجاوز آثارها بكثير الشق الاقتصادى والاجتماعى ،لأنها إذا كانت تعنى بالأساس تعطيل قوة بشرية فى سن العطاء، وهم فئة الشباب الجامعي ، القادرة على إحداث التنمية والتقدم والدفع ببلدانها إلى الأمام؛ فإنها تشكل تربة خصبة للثورة الاجتماعية و السياسية.

إن القوة التي لعبت دور المحرك الرئيس في هذه الثورة ، وفي قيادتها حتى سقوط الرئيس بن علي ،هي الحركة الشبابية –أي تلك الفئة الاجتماعية المتكونة من طلاب الجامعات و الخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل، بسبب البطالة الضاغطة التي يعاني منها الآلاف من الشباب ذوي المؤهلات العلمية، وتعاظم الإحساس بالظلم الاجتماعي الناجم من حالة الفساد التي عرفتها تونس واستئثار حفنة قليلة من المستفيدين من نظام بن علي البوليسي بجزء هام من الاقتصاد الوطني في قطاعات متنوّعة مثل البنوك والصناعة والعقارات.فهذه الفئة الاجتماعية وليدة النظام التونسي ، ووليدة عجزه في آن معاً.

في سيرورة النضال تحولت هذه الانتفاضة الاحتجاجية إلى ثورة شعبية وشبابية، هي ثورة مدنية لا عسكرية ولا إسلامية، رغم التحاق إسلاميي حركة «النهضة» بها بعد اندلاعها.و هي أيضاً، ليست ثورة يسارية ،رغم انضمام عناصر تنظيمات يسارية صغيرة، -و بينها حزب العمال الشيوعي التونسي، وتنظيم الوطنيين الديمقراطيين،و المجموعات القومية الراديكالية-بها بعد اندلاعها.

لقد دحضت الثورة التونسية الادعاء الذي بُني طيلة العقود الماضية بأن الحركات الإسلامية وحدها تملك القوة الأيديولوجية والتنظيمية لتحدي الدولة البوليسية في العالم العربي.صحيح أن آخر ثورة كبرى في المنطقة كانت الثورة الإسلامية في إيران، وأن الحركات الإسلامية في مصر والأردن وبلدان اخرى باتت أكبر عدداً وأكثر قوة بعد تراجع الأحزاب القومية واليسارية وانحسار نفوذها،إلا أن الصحيح أيضاً أن انتفاضة المواطنين العفوية واللاإيديولوجية في تونس أنجزت في أيام ما عجزت الحركات الإسلامية عن إنجازه في عقود. إذ جادل الإسلاميون طويلاً بأن طروحاتهم الدينية هي السبيل الوحيد للتغلب على اعتماد الأنظمة على منطق الدولة، لكن المنتفضين التونسيين أظهروا أن الاعتماد على المواطن له تأثير أكثر فعالية وفورية. كما جادل الإسلاميون بأن شبكاتهم الدينية وشبكات المساجد التابعة لهم ستضمن أعداد الجماهير الضرورية للعمل السياسي، لكن المنتفضين التونسيين أثبتوا أنهم قادرون على جذب أعداد أوسع وعلى إثارة حماسة أكبر من خلال استثارة شبكة المواطنة العامة. لقد حظيت الشهادة في سبيل الجهاد بشعبية واسعة في السنوات الأخيرة، بيد ان المنتفضين التونسيين أظهروا أن الشهادة في سبيل حقوق المواطن والإنسان هي أمر نبيل أيضاً.

ففي ظل انعدام الحرية، و انعدام المشاركة السياسية والاجتماعية، اندفعت الحركة الشبابية في تونس التي تمثل 60في المئة من السكان مادون ال30سنة، إلى الثورة.و شكلت شبكة الأنترنت الفضاء و الملاذ لحريتها.واضطرت هذه الحركة الشبابية إلى خلق هذا الفضاء من الحرية، باعتباره الفضاء الوحيد المتاح لها، أكثر من سواه.و يقدر عدد المستخدمين لشبكة الأنترنت في تونس بنحو 3،5 مليون شخص من مجمل عدد السكان 10 ملايين نسمة.فمن بين كل البلدان المغاربية ، تعتبر تونس البلد الوحيد الذي يضم الجماعة الأكثر ارتباطاً في ال«فيسبوك». و«بفضل المدوّنات الإلكترونية وتويتر وفايسبوك، بلور هذا الجيل حيّز حريّته واعتراضه على الشبكة»، كما يقول أستاذ الفلسفة في صفاقس، توفيق تامر إدريس.

لقد نشأ هؤلاء الشباب والشابات المتعلمين والجامعيين، والمنتمين إلى كافة الطبقات الاجتماعية ،على كره الدولة البوليسية ،وتعلّموا منذ نعومة أظافرهم أن يكبحوا مآسيهم، عبر تجنب التعاطي في السياسة ،وتقبّل الحياة والقمع .وبذلك، كبروا في عالم من الرعب، خائفين من التنصّت على هواتفهم الخلوية،وتقارير أجهزة الاستخبارات، فيما كان حصولهم على فرصة عمل مشروطة بمعرفة أحد أقرباء الطاغية الذي حكم البلاد بيد حديدية طوال 23 عاماً.فهم ينتمون إلى جيل عربي تائه ممتدّ من المغرب إلى مصر واليمن. جيل مثقف وطموح، لكنه يائس من نقص فرص العمل، وغاضب من الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والحكم السيئ وغياب المحاسبة وقدرة التعبير على الرأي.

إنه جيل ثوري جديد متعلم و جامعي، غير متأثر بالأيديولوجيات اليسارية، و القومية والإسلامية السائدة في العالم العربي، ولم يذق طعم الديمقراطية ولم ينعم بتعددية أو بحريات منذ وصوله إلى هذا العالم. لكنه جيل طموح تهيمن عليه ثقافة ال«فيسبوك»، اكتشف أنه عبر العمل العفوي و الجماعي ،وتوافر إرادة صلبة لديه من خلال تسلحه بقصيدة الشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي:

إن هذه الثورة الشعبية التي كان البعد الاجتماعي هو محركها الرئيس،أبصرت النور من الريف التونسي، وتحديداً من المحافظات المحرومة والمهمشة تاريخياً التي تقع في الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقصرين) .إنها الخاصية التي تتميز بها تونس المنقسمة مناطقياً، والخاضعة لقانون التطور اللامتكافىء على صعيد التنمية، وعلى صعيد التوزيع غير العادل لفوائد النمو والتنمية، بين المناطق الشرقية، الواقعة على الشريط الساحلي، والمناطق الداخلية، إذ ظل هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956 – 1987) يتعمق طيلة العقدين الماضيين. فبلغ حجم الاستثمار في قطاع الصناعة في المناطق الشرقية 689 مليون دينار(472 مليون دولار) في الأشهر الثلاثة الأولى من 2009 و 587 مليون دينار (402 مليون دولار) خلال الفترة نفسها من 2010، فيما لم يتجاوز الحجم في المناطق الغربية، التي تُعتبر مناطق ظل، 258 مليون دينار ( 177 مليون دولار) في 2009 و172 مليون دينار تونسي (118 مليون دولار) في 2010. بل إن التفاوت ظهر جليا حتى في نسبة التراجع بين مناطق وأخرى، إذ لم يتجاوز 15 في المائة في المحافظات الساحلية، فيما وصل إلى أكثر من الضعف (33 في المائة) في المحافظات الداخلية.

وبهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية غير المسبوقة من الوسط الغربي، وانتشرت أساسا في المناطق المحرومة التي تُعاني من التهميش. وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك المحافظات المنسية، ترعرعت مُسوغات التمرد الجماعي، الذي لم يكن ينتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدحه الشاب بوعزيزي بإقدامه على فعل تراجيدي شديد الرمزية، مكثف الدلالة، بعيد الصدى( ).

بيد أن تطور الانتفاضة الشعبية وتحولها من الريف إلى المدينة، وبالتالي تحولها إلى ثورة سياسية مدنية أطاحت بحكم بن علي البوليسي، وجعل مضمونها الحقيقي في الوقت الحاضر هو الحرية و الكرامة، يعود لانحياز الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب هذه الثورة- باعتباره القوة الشعبية المنظمة في تونس منذ عهد الاستعمار- التي دمجت منذ ذلك الوقت العمل النقابي بالعمل السياسي الوطني، وتجاوزت بنضالاتها الشعبية الوطنية حدود نضالات الأحزاب السياسية المعارضة، وعملت إلى لعب دور الحزب المعارض للحزب الدستوري في فترة الاستقلال، خصوصاً لجهة الاضطلاع بمهام تتجاوز ما وراء المطالب النقابية إلى إعادة صهر سوسيولوجي للمجتمع .

فقد أعلن النقابيون إضراباً عاماً في صفاقس يوم 10 كانون الثاني / يناير 2011. ثم وضع الاتحاد العام التونسي للشغل كل ثقله في هذه الثورة عندما انتقل مركز ثقلها الذي ظل طيلة نحو شهر متمحوراً في منطقة الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقصرين)، ليأخذ بُعداً وطنياً شاملاً.فكان ذلك التزاوج غير المفتعل بين النضال الاجتماعي و النضال الديمقراطي، الذي أسفر عن نجاح الثورة التونسية، باعتبارها ثورة من أجل الحرية، وفي سبيل بناء نظام ديمقراطي جديد للحياة السياسية التونسية.

و في سياق التضامن النضالي مع الانتفاضة الشعبية التونسية أعرب الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب عن مواقفه التضامنية اللا محدودة مع المطالب المشروعة والعادلة لعمال تونس ونقاباتهم من أجل تحقيق العمل اللائق الكريم , وحيا صمود النقابيين التوانسة ومواقفهم الشجاعة والنبيلة حتى تحقيق الأهداف الإنسانية والاجتماعية للعمال والمواطنين.

وناشد الاتحاد في بيان هام صدر تاريخ 28-12-2010م الاتحادات النقابية العربية و الدولية ومنظمتي العمل العربية و الدولية لتقديم كافة أشكال التضامن لنصرة قضايا عمال تونس ونقاباتهم.