أحمد مبارك سالم يكتب من البحرين:العمالة الوافدة مشكلة أم حاجة ؟

 مبارك

وكالة أنباء العمال العرب:في ظل ما تنشط من خلاله حملات التفتيش التي تنظمها العديد من الجهات المعنية بتنظيم سوق العمل في مملكة البحرين من الناحية الأمنية والاقتصادية

والاجتماعية والتنظيمية وما إلى ذلك، فإنه يبقى التساؤل المثار ضمن هذا النطاق متمثلاً فيما إذا كانت العمالة الوافدة في البحرين خصوصاً وفي دول مجلس التعاون على وجه العموم مشكلة أم حاجة وضرورة تقتضيها ارتفاع معدلات التنمية في هذه الدول، حيث يبرز مثار هذا التساؤل من خلال ما تمثله هذه العمالة من خطورة على التركيبة السكانية، حيث طرحت العديد من الدراسات وعقدت الكثير من المؤتمرات حول هذه المسألة.وحقيقة الأمر فإنه مشكلة الخلل في التركيبة السكانية التي تعاني منها مجتمعات دول مجلس التعاون ما زالت نتيجة ارتفاع كثافة العمالة الوافدة – وإن كان ذلك بنسب متفاوتة - بما تفرضه خصوصيته العالمية، مثاراً للكثير من الجدل الذي تتعدد مستوياته ما بين التهويل غير المبرر الذي يضع هذه المشكلة في غير موطنها الحقيقي، وما بين التهوين الذي لا يتبناه إلا النذر اليسير، وما بين من يتناول المشكلة بطرح هو أقرب للموضوعية ليتوصل إلى نتائج هي أقرب للمنطقية؛ لتبقى هذه المشكلة بما تولد عنها من تأثيرات نتيجة تجذرها التاريخي على امتداد عقود مطروحة للنقاش والتداول إلى أجل غير مسمى، حيث ما زالت هذه العمالة تزداد كثافة بفعل عامل التنمية والتحديث العمراني في المنطقة.ولئن كان مثار الجدل حول هذه الكثافة الممتدة للعمالة الوافدة يتصل بداية بالجدل حول ما يترتب على ذلك من تهديد للهوية الثقافية لشعوب المنطقة، إلا أن هذا العامل لا يعتبر محور المشكلة في خضم تحديات العولمة، وبذلك فإن مثار الإشكال وفقاً للمعطيات الآنية والمستقبلية يتركز على العوامل الأمنية باعتبارها قرينة الاستراتيجيات التنموية التي لا تنفك عنها، حيث أن دول مجلس التعاون بحاجة إلى هذه العمالة تحقيقاً للتوسع في خطط التنمية، وفي ذات الوقت فإنها لا بد أن تتحمل ضريبة ارتفاع معدلات الخطورة الأمنية وتعدد قنواتها بفعل ما تفرزه التكنولوجيا الحديثة عند استقدام هذه العمالة.ثم إن هناك ارتباطات كثيرة تتصل بتأثيرات الخلل في التركيبة السكانية تتصل بأبعاد مباشرة وغير مباشرة بكثافة العمالة الوافدة، وإن كنت أرى أن تجذر وجود هذه العمالة في مملكة البحرين خصوصاً وفي دول المجلس بشكل عام منذ عقود لم يعد يشكل خللاً في هذه التركيبة؛ وذلك باعتبار أن هذه العمالة قد أصبح بتجذّر وجودها جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع، إلا أنه لا بد من العمل على احتوائه وإنهاء هذه الحالة من الخصوصية في كثافة العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون إن عاجلاً أو آجلاً نظراً لتأثيرهاً على تحقيق الأمن الوظيفي للمواطن.ولئن كان تهديد الهوية الثقافية لا يقع التأثير المباشر عليه بفعل التواجد الكثيف لهذه العمالة، إلا أن ثمة تحديات أخرى أصبحت تفرض ذاتها على الساحة ينبغي تجاوزها من خلال العمل على تقنين وتنظيم عملية الاستقدام لهذه العمالة، حيث لم تعد الأوضاع تتحمل لا الاستقدام المفتوح كما كان في عقد الثمانينات، ولا الاستقدام العشوائي لتحقيق مصالح فئوية لا تحقيقاً لمتطلبات التنمية في مختلف قطاعات الاستثمار بفعل ما أحدثه نظام الكفيل الممتد منذ حقبة الثلاثينات من القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة.وعليه فلا بد أن تقنن العملية وتنظم على نحو يجعل استقدام هذه العمالة متوافقاً مع احتياجات سوق العمل، وبما لا يشكل عائقاً أمام تحقيق سياسات التوطين لأهدافها، والخيارات للتعامل مع كثافة هذه العمالة وإن تعددت، فإنه يبقى التنوع في أدوات احتواء هذه الظاهرة هو السبيل الناجع لاحتواء تداعياتها الأمنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ولا شك أن تحقيق ذلك يحتاج إلى جدية في التخطيط لمعالجة هذه الظاهرة التي ينبغي أن تقف عن حد تتقلص من خلاله تأثيراتها السلبية، وتتضاعف ثمراتها الإيجابية المرتقبة.
تبقى مشكلة كثافة العمالة الأجنبية مرتبطة بارتفاع معدلات التنمية في دول مجلس التعاون بشكل عام بما فيها البحرين، ولكن ذلك ينبغي ألا يكون على حساب الاستقرار للأوضاع الأمنية في هذه المجتمعات، لاسيما وأن كلا الأمرين مرتبطان ارتباطاً لا ينفك، فرأس المال كما يقولون جبان، وعليه فإنه ما لم تقترن استراتيجيات التنمية بالتحديث للأجهزة الأمنية التي من شأنها أن تلبي الاحتياجات الأمنية المستقبلية، فإن تداعيات كثافة هذه العمالة من شأنها أن تفرز معطيات سلبية يصعب احتوائها إن تفاقمت على المدى البعيد.