النقابية الجزائرية سعاد شريط تكتب عن العمل اللائق وصراع النقابات مع الهشاشة وتؤكد:منظمة العمل الدولية سعت منذ تأسيسها إلى خلق استقرار في سوق العمل وتوسيع دائرة الحماية والتغطية الاجتماعية و التخفيف من حدة الاستغلال لكن عالم المال والاقتصاد له قوانينه!

وكالة أنباء العمال العرب : لماذا الحديث عن العمل اللائق في 2013 ..في وقت تطور فيه الفكر الانساني وتطور مفهوم حقوق الانسان لدرجة انها اصبحت معيار لتقدم المجتمعات ،وفي وقت

سقطت كل الانظمة التمييزية .ولم يعد لها وجود.
 انا كنت اظن انه مصطلح يمكن استعماله في القرون الوسطى ،لاننا سنتحدث انذاك عن النظام الاقطاعي و السخرة و العبودية  .ولماذا نتحدث في زمن حقوق الحيوان عن العمل اللائق؟ نعم وللاسف نتحدث عن العمل اللائق في الالفية الثالثة ، لان الاقطاع عاد على شكل مؤسسات مالية تحرك اقتصاديات الدول وتضعفها و تحول رؤوس الاموال في ثوان من جهة لاخرى من العالم دون حاجز ودون قيود مستغلة الايدي العاملة تبيعها وتشتريها وتفرض عليها قوانينها الخاصة. وفي كل حركة تترك ورائها ماسي اجتماعية لا تعد ولا تحصى وهذا من اجل تحقيق الربح السريع. ولحسن حظ الطبقة العاملة ان النقابات اخذت مكانة في عالم الشغل وتصدت لهذه    الاثار الهمجية للعولمة بتنديدات وحملات متواصلة مطالبة بعمل من اجل حفظ الحياة لا فقدانها. فمنذ 1919 تاريخ تاسيس منظمة العمل الدولية و هي تسعى للعمل على خلق استقرار في سوق العمل وتوسيع دائرة حقوق الاستفادة و الحماية والتغطية الاجتماعية و التخفيف من حدة الاستغلال وذلك بسن عدة اتفاقيات وتوصيات تنظم العلاقات في عالم الشغل، لتجعل منه اكثرانسجاما واكثر عدالة واكثر مساواة.وفعلا خلال ما يقارب القرن من تواجد المنظمة تحقق الكثير من الجانب الاقتصادي ومن الجانب الاجتماعي و نستطيع ان نقول ان منظمة العمل الدولية حققت سلما مستقرا على مستوى العالم. ولكن لعالم المال و الاقتصاد لوبياته الخاصة و قوانينه الخاصة التي لا تعترف الا بالربح، كما قال سوروس في العولمة(ان يستثمر متى يشاء واين ما يشاء...) ومن اجل الربح السريع نرى يوميا رؤوس الاموال تهاجر من جهة لاخرى من العالم بسرعة رهيبة مما ادى الى ظهور ازمات مالية و اقتصادية متتالية اوصلت الجبهة الاجتماعية الى دون مستوى الفقر . فمعايير العمل التي ناضلت من اجلها البشرية تقلصت  واصبحت مهددة اليوم  بتقلص مجال المكاسب الاجتماعية لوبقي الحال هكذا ستصبح الهشاشة المعيار الوحيد الذي يسيطر على علاقات العمل في عالم الشغل و التشغيل.غيبت العولمة المتوحشة حقوق العمال و علاقات العمل بتزايد التشغيل بنظام التعاقد و الابتعاد عن الوظائف المستقرة، فاخر احصائية تبين ان 80%من الطبقة الشغيلة في العالم في نظام التعاقد وهذا النظام عبارة عن مقبرة للنقابات. وبابعاد هذه الاخيرة عن عالم الشغل و نحن نعتبرها صمامه وضميره الذي يعمل على توازن بين العامل و المستخدم ،وبغيابه سيسود الاستغلال . ففي اخر القرن الماضي وبالضبط سنة 1999 استخدم  خوان سومافيا امين عام منظمة العمل الدولية مفهوم العمل اللائق كمؤشر وهدف من الاهداف الانمائية التي ترعاها المنظمة    وتعد في ذلك  التقارير لقياس مدى تحقيقها في الواقع،من اجل ضمان حد ادنى من الحماية للعامل .وبتكاتف الحركات العمالية عبر العالم  ،تبنت الامم المتحدة مفهوم العمل اللائق بجميع ابعاده سنة2005 كمصطلح رسمي يعبر عن تطلعات كل شخص في كل انحاء العالم لممارسة مهنة تضمن له  ولعائلته عيشة كريمة . فمنظمة العمل الدولية جعلت العمل اللائق محور اهتمام الثلاثية وهوفي صميم الجهود المبذولة للقضاء على الفقر ووسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعمل على توسيع بعده في السياسات الاقتصادية و الاجتماعية للحد من الفقر و القضاء على السخرة والتهميش و للحد من الفوارق بين الجنسين وكل الفوارق التمييزية وباعطاء فرص اكثر لتجسيد تطلعات الافراد في حياتهم المهنية و امالهم المعلقة على الفرص و المداخيل و الحقوق و الاستقرار المالي و التطور الشخصي و العدالة و المساواة ، بالاضافة الى ايصال صوتهم و الاعتراف بدورهم في حلقة الانتاج والانتاجية. وباعتبار ان العمل اللائق بجميع ابعاده مدعما للسلام في المجتمعات فانه يعكس مدى اهتمام الحكومات  و العمال واصحاب العمل به و الحرص على تدعيمه و توسيع رقعة انتشاره لانه هدف انساني ، ويقضي على الفقر. ولكي تكون العولمة عادلة يجب ان تحمل في طياتها عدالة اجتماعية ،  بالتكامل الاقتصادي العالمي .لرفع  تحديات كبيرة كعدم تساوي الدخل ،وارتفاع البطالة المستمر و تزايد الفقر و هشاشة الاقتصاديات الوطنية امام الاقتصاديات الخارجية مما ادى الى نموالعمل الغير محمي و الاقتصاد الغير منظم مما اثر على علاقة الاستخدام و اشكال الحماية .وللاسف اليوم تفاقم القطاع الغير منظم حيث القانون المسيطر هو الربح و الربح فقط.العمل الغير منظم او المهمش او الغير محمي او الغير معترف به او الغير ممثل كلها تعاريف توصلنا الى السخرة لانها محت صفة الاجير حيث لا حماية اجتماعية و لا قانون مطبق و لا تمثيل نقابي .العامل يوضف بكلمة ويسرح باخرى مقابل اجر لا يحفظ كرامته. اليوم نحن امام طبقة من العمال الفقراء يعملون باقل من قوت اليوم ،يعملون في انتظار عمل لا ياتي يعملون وهم محرمون من الشعور بكرامة العمل.ففكرة العمل المهمش فكرة قديمة جديدة فمنذ ثلاثون سنة من النضال لم تتغير حالة العمال الفقراء.ولان العمل بالعقود المحدودة المدة نظام اقطاعي استغلالي جديد يمتص عرق الطبقة الشغيلة  ويحفر قبرا للنقابات بوضعه قوانينا عرفية تغلبت على قوانين الدول ، مسببا غليانا اجتماعيا نتيجة الفقر و انهيار القدرة الشرائية .راس المال الغى كل الحدود وكل الدول و كل الانظمة ، يتحرك و يستثمر ينتج ويربح ولا يهمه الا الربح و بالمقابل جبهة اجتماعية مفككة تعيش تحت ايتزازه و استغلاله  بالرغم من ان منظمة العمل الدولية حاملة تحديات كبرى من اجل تحقيق فرص عمل اكثر و اجور عادلة اكثر وضمان الحق النقابي ، وحرية التعبير و التنمية الشخصية و العدالة و المساواة بين الجنسين و منع عمالة الاطفال ومنع اعمال السخرة و تقليص الفجوات بين المعايير، فانها تبقى عاجزة عن تحقيق ذلك في كل انحاء العالم. فهي تعمل  على ادماج البعد الاجتماعي في العولمة، فمنذ  مبادرة الاعلان الثلاثي للمباديءالمتعلقة بالشركات المتعددة الجنسيات و السياسة الاجتماعية سنة 1977 اصبح الاعلان اداة قيمة لوضع اطار تعمل فيه الشركات المتعددة الجنسايات باعتبارها مواطنا صالحا في العالم تشارك في تعزيز الامن وممارسات العمل و المسؤولية الاجتماعية. اليوم اصبح الحديث عن المسؤولية الاجتماعية  منتشرا عبر العالم و اضحت الشركات وعملائها يهتمون باخلاقيات العمل وتقدر الشركات التي تتمتع بمسؤولية اجتماعية قوية اهمية العوامل البيئية و ظروف الاستخدام التي تقدمها لعمالها وهنا يلعب دور الاعلان دور مهم .و  توظف هذه الشركات عامل من كل عشرين عامل و تصل عمالتها الى 90 مليون عامل على مستوى العالم.  . فالحقيقة هذه الشركات و حلفاؤها يعادون العمل اللائق ويعتبرونه احد عوائق الاستثمار لانه يكلف كل المشاريع.وقد زاد انسياب التجارة و الاستثمار بشكل غير مسبوق ،مما جعل من هذه الشركات تطالب بقبول العمل الغير لائق اي على شكل مناولة وعقود مؤقتة ،او ترحل الى حيث تجد من يقبل شروطها ، فهي تستعمل الابتزاز كحل للتقليص من فاتورة اليد العاملة .ويظهر انعكاس هذا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر بقطاع النسيج لانه كان اكبر المتضررين نتيجة هجرة رؤوس الاموال الى الخارج مع نهاية العمل باتفاق 1994 للنسيج و الملابس اذ تم الشروع فيه سنة2007 اي اتفاقية التحرير الشامل لتجارة النسيج تضررت العديد من الدول التي كانت عمالة القطاع بها كبيرة  كالبنغلاديش التي خسرت حوالي مليون منصب عمل وتونس 250 الف منصب عمل اي 46%من اليد العاملة الصناعية وركود مصانع المحلة بمصر و وغلق مصانع النسيج و الجلود بالجزائر. وتم غلق الكثير من المصانع في اوربا،لان هذه الشركات المتعددة الجنسايات او مافوق القطرية ،تفضل هجرة راس المال نحو المناطق التي يكون فيها العمل النقابي ضعيف كالصين .ولانها تعتبر ان النقابات القوية تعرقل تطور الانتاج و الانتاجية . فعولمة اليوم تعمل على تفكيك العمل النقابي لانها ترى فيه المعرقل وبالتالي تصده بعنف ففي بعض الاحيان تصل الى التصفية  الجسدية للنقابيين، وفي بعض الاحيان السجن و التوقيف و التهديد :ولا يسعنا الا ذكربعض الاحداث  و بالارقام ضحايا النضال النقابي 76 قتيل لسنة 2011 منهم 29 في كولومبيا و 10 في غواتيمالا 04 في الفيليبين و01 في البنغلاديش ، والمتابعات القضائية ل 9 نقابيين بغواتيمالا بتهمة التظاهر ضد بيع قطعة ارض بمنطقة التبادل الحر،ومتابعة 69 قائد نقابي امام المحاكم التركية بتهمة الارهاب،و اخرها الهجوم على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل ،واخرها التهديد بالقتل لامين عام نقابة جنوب افريقيا واسرته زويلي فافي.ومن اسوء الانعكسات السلبية على عالم الشغل نتيجة هذه التحولات السريعة و الجذرية تراجع التمثيل النقابي فعلى سبيل المثالفبريطانيا و المانيا و البرتغال لا تتعدى نسبة الانخراط بين 20%و29%السويد كانت انخراطاتها تفوق85%نزلت في عشرية ب15%اما في فرنسا فالاوضاع اكثر تردي حيث لا تتجاوز 22%ولم تنجو الدول العربية من الوضع ففي الجزائر مثلا فالنسبة محصورة بين 20%و30%.وعرفت في تونس ارتفاع بعد ثورة الياسمين
اما افريقيا فهي اصلا موطن الفقر  ومما زادها انهيارا هو تطبيق برامج اعادة الهيكلة المفروض من المؤسسات المالية  الدولية بالرغم من مسح مديونتها فانها قريبة من الافلاس.حتى الامريكتين توحدت النقابات عرفت نفس نزيف الانخراطات.ويرى الخبراء انه ان لم تتم عولمة مدخول لائق من اجل حياة لائقة يغطي ادنى الاحتياجات الاساسية للعمال وعائلاتهم، وذلك بخلق وحماية وتدعيم المهن اللائقة،وتوسيع مجال الحماية الاجتماعية،وادماج العمل اللائق في كل السياسات الوطنية و سياسات المؤسسات الدولية.وبضمان عولمة الحقوق الاجتماعية بفرض الحريات النقابية و عولمة الحوار الاجتماعي، والقضاء على كل انواع التمييز و لايما المرتبطة بالنوع الاجتماعي ،واحترام حقوق العمال (المهاجريين ،وعمال القطاع الغير منظم ،الفلاحين .......). كما يجب تنظيم القطاع الخاص بدمج معايير العمل الدولية بالسياسات التجارية و الاستثمارية ،واجبار الشركات ما فوق قطرية على احترام معايير العمل الدولية كما يوصون بترقية وسائل مراقبة احترام معايير العمل الدولية . واخيرا فاذا غيبت النقابات تبقى الهشاشة هي المعيار الوحيد في عالم الشغل
*بقلم النقابية الجزائرية سعاد شريط