الكاتب الصحفي المصري عبدالمحسن سلامة يكتب عن مخاطر وتحديات الإصلاح فى القطاع العام

عبدالمحسن سلامة

لم يعد مقبولا أو معقولا أن تستمر الأوضاع الحالية المتردية فى شركات قطاع الأعمال العام أو حتى المؤسسات العامة المملوكة للدولة بشكل عام، فمعظم هذه الشركات مريضة تحتاج إلى إصلاح جذرى، وتركها مريضة بهذا الشكل أمر غير مقبول ويمثل إهدارا للمال العام، والمشكلة أن الحكومات المتعاقبة دائما تخشى الاقتراب من هذا الملف لما به من حساسيات تتعلق بالعمال أحيانا أو الخوف من شعارات «المال العام» والخصخصة أحيانا أخرى، بالإضافة إلى الخوف من أن تلسع النيران أصابع من يريد الاقتراب والتصحيح كما حدث مع بعض المسئولين السابقين، ولذلك فإن معظم محاولات إصلاح شركات القطاع العام باءت بالفشل إلا قليلا.

 كانت بداية التوسع فى القطاع العام فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بعد أن قام بتأميم العديد من الشركات والمصانع والمؤسسات الخاصة وتحويلها إلى عامة، ثم التوسع فى إنشاء القطاع العام فى كل المجالات تماشيا مع التوجه الاشتراكى السائد آنذاك.

شهد القطاع العام آنذاك أزهى عصوره، وظهر شعار التصنيع من الإبرة إلى الصاروخ، إلا أنه ظل شعارا فقط بعيدا عن الواقع رغم تحقيق بعض النجاحات فى هذا المجال وفى بعض الصناعات خاصة فى قطاعات الغزل والنسيج، والألومنيوم، والحديد والصلب.

حينما تولى الرئيس الراحل أنور السادات مسئولية الحكم اتجه يمينا، ولجأ إلى سياسة الانفتاح، وبدلا من أن يعالج أخطاء القطاع العام، أهمله لتظهر عيوب هذا القطاع تباعا وتزداد أزماته ومتاعبه.

أخطر عيوب هذا القطاع أنه تحول إلى «تكية» للحكومات منذ ظهوره، فهى التى تقوم بتعيين قياداته ممن ترغب فى تكريمهم والإغداق عليهم، وأيضا هى التى تقوم بالدفع إليه بآلاف العمال والموظفين دون مبرر أو احتياج حقيقى، مما أدى إلى ترهل هذا القطاع وظهور أعراض الشيخوخة المبكرة عليه، وكانت النتيجة تحوله من المكسب إلى الخسارة نتيجة السياسات الحكومية غير الرشيدة لهذا القطاع.

استمرت هذه السياسة أيضا فى عصر الرئيس الأسبق حسنى مبارك فترة من الوقت، إلا أنه حاول إيجاد حلول لمشكلة القطاع العام، وظهرت هذه المحاولات بوضوح فى وزارة المرحوم عاطف عبيد من خلال ما سمى آنذاك «الخصخصة» سواء ببيع الشركات أو إيجاد بدائل للعاملين من خلال المعاش المبكر.

تعثر المشروع لأسباب عديدة وخضع رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد للمحاكمة بسببه، ثم أعيدت المحاولة مرة أخرى فى عصر حكومة د.أحمد نظيف إلا أن المحاولة لم تكتمل بسبب قيام ثورة 25 يناير وما تلاها.

الآن القطاع العام كالرجل المريض لا هو سليم معافى ولا هو ميت، وإنما يعيش على المسكنات والمهدئات بسبب الفجوة الضخمة بين الإيرادات والمصروفات، وتراكم المديونيات، وتضخم العمالة، والتهام الأجور لمعظم الموارد، ونقص مستلزمات الإنتاج.

من هنا كان توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى أثناء افتتاح مشروعات الأسمنت والرخام فى بنى سويف فى الأسبوع الماضى بضرورة التحرك بجرأة وقوة لتطوير شركات قطاع الأعمال العام من خلال خطط عملية مدروسة، مشيرا إلى أن هذا القطاع يضم 210 آلاف موظف وعامل يجب أن يستمروا فى أعمالهم دون المساس بأرزاقهم.

توجيه مباشر وصريح بضرورة إيجاد حل للقطاع العام بعيدا عن المسكنات والعلاجات الوقتية التى فشلت وأدت إلى تراكم أوجاعه وأزماته حتى لم يعد قادرا على الحياة.

لمس الرئيس الوتر الحساس حينما أشار إلى أنه لن يتم المساس بالعاملين وأرزاقهم، وبالتالى فإن خطة الإصلاح تقوم على النهوض بهذا القطاع، وانتشاله من أزمته، وعودته إلى دائرة الإنتاج والمنافسة مرة أخرى ليكون قاطرة للاقتصاد الوطنى وليس عبئا ثقيلا عليه.

الأمر المؤكد أن فاتورة إصلاح الشركات العامة مكلفة وباهظة التكاليف لكنها الدواء المر، فلا يمكن أن يكون هناك إصلاح دون تكاليف، والاكتفاء بفكرة تسريح العمالة كما حدث فى تجربة د.عاطف عبيد والمعاش المبكر فكرة فاشلة لأنها أضافت طابورا طويلا من البطالة إلى طوابير البطالة الموجودة، وأدت إلى تحميل التأمينات الاجتماعية بأعباء إضافية لا لزوم لها.

لكل ذلك لابد أن يكون هناك إصلاح حقيقى لتلك الشركات يتمثل فى إعادة دورة الإنتاج إلى هذه الشركات لتعود منتجة بشكل حقيقي، ومنافسا فى السوق، ولن يتحقق ذلك إلا بتوفير مستلزمات الإنتاج لتلك الشركات، ووضع رؤية مستقبلية لنوعية إنتاجها، تضمن عدم تحويل الإنتاج إلى رواكد فى المخازن.

من المؤلم جدا أن نجد مصنعا صغيرا للغزل والنسيج فى شبرا الخيمة أو المحلة الكبرى مملوكا لشخص أو عدة أشخاص يكسب الملايين فى حين أن هناك شركات كبرى تتبع القطاع العام وتعمل فى الغزل والنسيج وربما فى ذات الأماكن أيضا فى شبرا الخيمة أو المحلة، والفرق أن تلك الشركات تخسر بالملايين بعكس الأولى التى تكسب الملايين.

السبب يرجع إلى تراكم مشكلات الشركات الكبرى المتمثلة فى ازدياد المديونيات والخسائر، ونقص مستلزمات الإنتاج، وتكدس تلك الشركات بالعمالة الزائدة عبر سنوات عديدة، وانفصال الإنتاج عن واقع السوق من حيث التصميم والموديلات والأسعار.

إصلاح هذه النوعية من الشركات يحتاج دراسة حالة كل شركة على حدة بعيدا عن الحلول الجماعية ، فالحلول الجماعية مثلها مثل عقلية إدارة القطاع العام «الفاشلة»، ولذلك لابد من روشتة علاج لكل شركة على حدة تراعى خصوصية مشكلات هذه الشركة أو تلك، وجدول زمنى لإنقاذها وفاتورة محددة لتكاليف إصلاحها.

الحلول الفردية لا تعنى أن ننتظر نجاح الحل لتلك الشركة أو المؤسسة حتى نبدأ فى الأخرى، وإنما تعنى أن تكون هناك روشتة إصلاح محددة لكل شركة، وفى الوقت نفسه يكون العمل فى كل الشركات بالتوازى.

فقط ميزة الحلول الفردية أنها تراعى ظروف كل شركة أو مؤسسة على حدة، فهناك شركات تمتلك أصولا قابلة للاستثمار وأخرى عكس ذلك، وهناك شركات لها اسم ومنتج متميز يمكن استغلالهما وأخرى عكس ذلك، وأيضا هناك شركات لاتزال قوية وأخرى ضعيفة، وهكذا فى كل المجالات نجد أن هناك خصوصية لكل حالة تتطلب ضرورة مراعاة تلك الخصوصية لضمان نجاح الإصلاح.

أيضا فإن إصلاح قطاع الغزل والنسيج يختلف عن إصلاح شركات الأسمنت أو الحديد أو الألومنيوم، ولابد أن تكون هناك رؤية إستراتيجية إصلاحية خاصة بكل قطاع بالإضافة إلى الرؤية الخاصة بكل شركة.

الرؤية القطاعية تتضمن الأهداف الإستراتيجية المرجوة من هذا القطاع، ودوره فى الاقتصاد الوطنى حاليا ومستقبلا، أما الروشتة الفردية فهى العلاج الخاص بكل شركة مع مراعاة ظروفها وأوضاعها الخاصة بها.

ربما يكون الحديث النظرى سهلا وميسورا غير أن التنفيذ العملى أكثر صعوبة وتعقيدا، لذلك فإن الإصلاح يحتاج إلى حكمة وهدوء وفى نفس الوقت يحتاج إلى اصرار ومثابرة، لان التراكمات ثقيلة ومزعجة وتحتاج إلى حزمة متكاملة من الحلول بداية بالتشريعات خاصة فيما يتعلق بالتراكمات المتعلقة بالمديونيات كالضرائب مثلا فهى تحتاج إلى تدخل تشريعى لإسقاطها، وأيضا هناك ما يتعلق بالتكاليف المالية «فاتورة الإصلاح» لإعادة تعويم تلك الشركات وإطلاقها من جديد.

أيا كانت تكاليف الإصلاح فلابد من المواجهة، لأنه لا يمكن لهذه الشركات أن تستمر بوضعها الحالي، خاصة فى ظل انطلاق قطار الإصلاح الاقتصادى واستمرار حالة الشركات العامة بوضعها الحالى يعنى وجود «عجلات نايمة» فى قطار الإصلاح الاقتصادى، وهذا هو الأمر غير المقبول لأنه يسهم فى تقويض عملية الإصلاح نفسها.

الإحصائيات تشير إلى أن هناك 44 شركة خاسرة ضمن شركات قطاع الأعمال العام، وبلغت خسائر تلك الشركات خلال العام المالى 2016/ 2017، حوالى 7 مليارات جنيه، ومن الملاحظ أن أغلب الشركات الخاسرة تتبع القابضة للقطن والغزل والنسيج وعددها 24 شركة خاسرة، بينما عدد الشركات الخاسرة بالشركة القابضة الكيمياوية 10 شركات، و10 شركات فى القابضة المعدنية.

رغم العدد الكبير من الشركات الخاسرة فإن هذا العدد إذا قورن بإجمالى عدد الشركات العامة يمثل أقل من 30% منها، حيث يبلغ عدد الشركات العامة 124 شركة، منها 80 شركة تحقق أرباحا، و44 فقط هى التى تحقق خسائر.

معنى ذلك أن النجاح ممكن، وأن الإصلاح ليس مستحيلا بدليل كل هذه الشركات الناجحة.

اعتقد أنه آن الأوان لإعادة الكرامة إلى المنتج الوطنى وأن تكون له الأولوية فى كل شيء داخل بلده واستغلال كل الثغرات القانونية المتاحة فى قوانين التجارة العالمية لحماية المنتج الوطني، وتقييد الواردات الأجنبية، ويكفى أن نشير إلى الحروب التجارية الدائرة الآن بين العديد من دول العالم خاصة بين أمريكا من جهة وأوروبا من جهة أخري، وكذلك بين أمريكا والصين وبين أمريكا وروسيا، وأخيرا بين أمريكا وتركيا، وهذه الحروب منها حروب أهدافها سياسية، وأيضا هناك حروب أهدافها اقتصادية وتجارية بحتة للحفاظ على المنتجات الوطنية لتلك الدول وتدعيمها أمام منتجات الدول الأخري.

لابد من دور حيوى لوزارة الصناعة والتجارة فى هذا المجال من أجل تقليل الواردات إلى أدنى مستوي، وزيادة الصادرات إلى أقصى حد ممكن لإفساح المجال أمام المنتج الوطنى سواء أكان مصدره القطاع العام أم الخاص فى السوق المحلية أو الأسواق الخارجية.

يبقى بعد ذلك ضرورة تحرير القطاع العام من البيروقراطية القاتلة، فلا يمكن أن تكون نهاية مجتهد «السجن» لمجرد أنه يريد الاجتهاد وإيجاد حلول لمشكلات متراكمة، فلابد من التفرقة بين مسئول فاسد استفاد أو تربح، وبين مسئول آخر يحاول أن يجتهد ويكسر الروتين القاتل، لأن الأيدى المرتعشة لا يمكن أن تصنع تقدما، ولذلك فلابد من إعادة النظر فى الكثير من التشريعات المتعلقة بالبيروقراطية الحكومية، ومنح مساحة منضبطة من حرية الحركة للمسئولين فى القطاع العام لكى يستطيعوا منافسة القطاع الخاص وفى الوقت نفسه حماية أنفسهم من الوقوع فى براثن اللوائح والتعقيدات الإدارية الصعبة والمعقدة.

*المصدر /الأهرام/ الأحد 8 من ذي الحجة 1439 هــ 19 أغسطس 2018 السنة 143 العدد 48103