مصر:د.أحمد محمد مصطفى رئيس المؤسسة الوطنية لتنمية الوعى العمالى يكتب لـ"awna"عن : الإضرابات العمالية كأحد مقدمات ثورة 25 يناير ويؤكد: صدور قانون جديد للنقابات العمالية أصبح ضرورة لتلافى الانتهاكات السابقة للحريات النقابية


وكالة انباء العمال العرب: تعد الاحتجاجات والإضرابات العمالية التى شهدها المجتمع المصرى منذ عام 2006 ظاهرة تستوجب منا التوقف أمامها للتعرف على طبيعة الأزمة التي مر بها المجتمع

وبخاصة قطاع العمل والعمال. ترجع بداية الأزمة إلي السنوات القليلة التى سبقت ثورة 25 يناير والتي جاءت كتعبير عن رفض الطبقة العاملة وتخوفها من السياسات الاقتصادية التى تبنتها الحكومة المصرية المتعاقبة والتي تمثلت فى سياسات الخصخصة وتحرير السوق بما أثر سلبياً على أوضاعهم داخل وحدات الإنتاج.
كيف شكلت الاضرابات أزمة تستحق اهتمام الحكومة ؟
 أكَّد خبراء اقتصاديون أن الدولة تتحمل عبء توفير 900 مليون جنيه تقريبا لتنفقها سنويًّا علي الحشود الأمنية التي تتصدى لمواجهة إضرابات العمال . كما يقدر متوسط إهدار ساعات العمل بمليون ونصف ساعة عمل تقريباً . أيضاً يمثل الاضراب أزمة على العديد  من المستويات الاقتصادية والسياسية ، فضلاً عن تأثيره البالغ على معدلات الانتاجية ،  وهروب المستثمرين .
 وقد ظلت الادارة الحكومية لا تعترف بمشروعية الإضراب الى أن صدر حكم محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) سنة 1987 والذى اعترف بمشروعية إضراب عمال السكك الحديدية، استنادا الى تصديق مصرعلى الاتفاقيات الدولية رقم 87 لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية وضمان حق التنظيم والاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 بشأن تطبيق مبادئ حق التنظيم والمفاوضة الجماعية كذلك فإن تصديق مصر علي العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يؤكد هذا الحق .
وقد كان إغفال حق الإضراب بل وتجريمه له عواقب شديدة الخطورة على المجتمع المصرى حيث أن الإضراب وسيلة تعبير جماعية عن الاحساس بالظلم . إذا تم مصادرتها فلا يكون أمام العمال إلا التعبير عن  غضبهم إما بالتكاسل فى الاداء أو الإهمال فى محاولة للضغط.على  صاحب العمل بغرض تحقيق المطالب أو أن يقوم العمال بالتعبير عن غضبهم بشكل من أشكال الانفجار بسبب كثرة الضغوط وذلك في شكل إضرابات لا تنظمها قواعد محددة ، فيتحول الأمر من ممارسة لإحدي صور الحريات النقابية إلي فوضي وتخريب مما يشكل خطورة على العلاقات الاجتماعية وكذلك علاقات الإنتاج.
الاضرابات العمالية وبداية ظهور النقابات المستقلة:
وتعد نقابة العاملين بالضرائب العقارية النقابة المستقلة الأولى فى مصر والتى كانت وليدة الإضرابات التى قام بها موظفى وعمال الضرائب ضد التمييز التى كانت تقوم به وزارة المالية بين مأمورى الضرائب التابعين للمحليات وزملائهم العاملين بوزارة المالية .      وقد بدأت هذه النقابة أنشطتها فى ديسمبر 2009، واعترفت بها الكثير من المؤسسات العمالية الدولية ونالت عضوية الإتحاد الدولى للخدمات العامة، وذلك اعترافاً  بمشروعية نقابتهم المستقلة فى ضوء اتفاقيات الحريات النقابية التى صدقت عليها مصر (اتفاقية 87 ، 98).
كذلك فإن نجاح تجربة المعلمين والعلوم الصحية كان له صدى واسع ادى الى تحفيز عدد كبير من العمال لتشكيل نقاباتهم المستقلة بعد ثورة 25 يناير. وقد أعلن أول بيان لتأسيس الاتحاد المصرى للنقابات المستقلة من ميدان التحرير فى يناير 2011 وأثناء احداث الثورة المصرية وبذلك يكون العمال قد انتزعوا حقهم فى تأسيس نقاباتهم المستقلة بشرعية الثورة والميدان .
وهنا لابد من الإشارة الى أنه بالرغم من أن الاتفاقيات الدولية المشار اليها، تعطى العمال واصحاب الاعمال الحق فى ان يشكلوا نقابة أواكثر ، حتى لو تعلق الامر باشخاص من نفس المهنة أو الاقليم أو نفس محل العمل ، كما أن لهم الحق فى أن يشكلوا إتحادا أو اكثر يضم أكثر من نقابة وفقا لما ورد بالاتفاقية 87 لسنة 48 ( مادة 1،2 )، إلا أن المشرع المصرى قد استبعد  التعدد النقابى نهائيا بمقتضى القانون 35  لسنة 1976، مما جعل مصر عرضة دائماً لانتقاد لجنة الحريات التابعة لمنظمة العمل الدولية باعتبارها تفرض مبدأ الوحدة النقابية بقانون وهذا ما يتضح من المواد التالية  :
•  مادة 7 : يقوم البنيان النقابى على شكل هرمى و على أساس وحدة الحركة النقابية و تتكون مستوياته من المنظمات النقابية التالية :-- اللجنة النقابية بالمنشأة أو اللجنة النقابية المهنية .- النقابة العامة  .الاتحاد العام لنقابات العمال .
•  مادة 13 :  للعمال و العمال المتدرجين المشتغلين فى مجموعات مهنية أو صناعات متماثلة أو مرتبطة ببعضها أو مشتركة فى إنتاج واحد الحق فى تكوين نقابة عامة واحدة على مستوى الجمهورية طبقا للائحة التى يعدها التنظيم النقابى .
وبالرغم من الكثير من النقابيين ضد التعددية النقابية لأنها قد تؤدى الى تفتيت الحركة النقابية ومن ثم إضعافها فى مواجهة أصحاب الاعمال والحكومة، وهذا الأمر صحيح من وجهة نظرى ايضاً، إلا إننى أرى أن تبقى الوحدة النقابية اختياراً للعمال بشكل حر وطوعى ووفقا لرؤيتهم وبما يحقق مصالحهم ، ولا يجب أن تفرض بقانون حفاظاً على مبدأ الحرية النقابية.
ومن ثم فإن صدور قانون جديد للنقابات العمالية أصبح الآن ضرورة لتلافى الانتهاكات السابقة للحريات النقابية، وهو الأمر الذى يحتاج من جميع القيادات النقابية بكافة انتماءاتها وتوجهاتها إلى المرونة ونبذ التعصب للرأى لخروج قانون يرضى تطلعات جموع النقابيين ولا يتعارض مع المعايير الدولية.
..بقلم : د.أحمد محمد مصطفى رئيس المؤسسة الوطنية لتنمية الوعى العمالى والخبير الدولى فى مجال العمل.